الحافظ رجب البرسي

14

مشارق أنوار اليقين

جل عن الشبيه والمثيل ، وتعالى عن التشبيه والتمثيل ، عز عن ولد ينفعه ، وتقدس عن عدد يجمعه ، الواحد الأحد ، الذي لا يشبهه أحد ، ولا يساويه أحد ، له الجلال الباهر ، والجبروت القاهر ، والملكوت الزاهر ، والسلطان الفاخر ، هو الأول والآخر ، والباطن والظاهر ، الأول بالذات ، والآخر بالصفات ، والظاهر بالآيات ، والباطن عن التوهمات ، حارت في إدراك ملكات ملكوته مذاهب التفكير ، وغارت عن الرسوخ في علمه جوامع التفسير ، تاهت العقول في تيه عظمته ، وهامت الأوهام في بيداء عزته ، حماها نور الأحدية ، وغشاها جلال سبحات الربوبية ، عن إدراك حقيقته الإلهية ، فرجع الطرف خاسئا حسيرا ، والعقل مبهوتا مبهورا ، والفكر متحيرا مذعورا ، والوهم مذموما مدحورا ، فسبحان الملك الحق المتعالي عن الجهات والأمكنة ، الذي لا تأخذه نوم ولا سنة ، ولا تصف جلال كمال عظمته الألسنة اللسنة ، لا يحويه مكان ، ولا يخلو منه مكان ، ولا يصفه لسان ، به كان الخلق لا بالخلق كان . إن قلت : متى فقد سبق الكون كونه ، أو قلت قبله فالقبل بعده ، أو قلت أين ؟ فقد تقدم المكان وجوده ، أو قلت كيف ؟ فقد أصحت عن الوصف صفته ، أو قلت مم ؟ فقد باين الأشياء كلها ، أو قلت هو ، فالهاء والواو كلامه . بالكلمة تجلى الصانع للعقول ، وبها احتجب عن العيون ، فسبحان من جوده آية وجوده ، وأنوار عظمته مانعة من سهوده ، لم يزل ، ولا يزال ، أزليا أبديا في الغيوب ، ليس فيها أحد غيره ولا معبود سواه ، لا يجوز عليه التشبيه الذي يرقبه فهمك ، ولا التشكيك الذي ينتجه وهمك ، الجبار الذي فتق ورتق ظلام العدم بقوته وقهره ، فأهل الوجود بلا إله إلا الله ، وأتقن نظام الموجودات بقدرته وأمره ، فليس خالق إلا الله خالق السماوات ، وبالعدل فطرها ، وأجرى فيها شمسها وقمرها ، فهي دائرة بقهره ، طالعة لأمره ، ملأها بالأنوار ، وقدسها بالأبرار ، وحرسها بالشهب الثواقب من الأغيار ، وحفظها من الأود والانفطار ، فهي عالم الملكوت ، وقبة الجبروت ، وسرداق العظمة والجلال والجبروت ، سقفا مرفوعا ، وسمكا محفوظا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار يقبضها ، لم يشيدها سبحانه خوفا من سطوة سلطان ، ولا خشية من نزول حدثان ، بل جعلها دليلا للناظر ، وعلما للسائر ، تدل آياتها على عظمته ، ورفعتها على قدرته ، وكمال لطفه وحكمته ، فمن نظر في خلق السماوات ، وتعاقب حركات السيارات ، واختلاف الليل والنهار ، وما تضمن ذلك من الحكمة العجيبة ، والقدرة الغريبة ، بل في نفسه ، وتركيب جسده ، شاهد في كل لحظة ، وعاين في كل لمحة ، شاهد حق ، وناطق صدق ، ينطق بأن صانعه حي قيوم قدير ، ويشهد بأن موجوده رب حكيم خبير . سماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، وقمر ذو إشراق ، وسراج وهاج ،